عبد الشافى محمد عبد اللطيف

165

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

ثابتة ، والمبادئ التي تقوم على أساس علاقات الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم هي مبادئ عالمية ؛ ذلك بأن طابع الدولة الإسلامية له ما للدعوة الإسلامية من اعتبار إنساني عام حدّده مصدر الرسالة الإسلامية وهو القرآن الكريم في قوله تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [ الأعراف : 158 ] ؛ فالدعوة الإسلامية للناس جميعا . ولذلك ففكرة الدولة في الإسلام هي فكرة عالمية ، ومبادئ علاقاتها الدولية هي مبادئ عالمية كذلك « 1 » . وينبغي أن نشير هنا إلى أن هذه هي أول مرة في تاريخ الأديان تقوم دولة ذات صبغة عالمية في مبادئها وأهدافها على أساس عقيدة وشريعة سماوية « 2 » . وهذه ميزة امتاز بها الإسلام ، وهي ميزة ناشئة عن طبيعته كدين ، وناشئة أيضا عن ظروف نشأته التاريخية ، وفي كلا الأمرين يختلف الإسلام عن المسيحية مثلا . فالمسيحية - من حيث طبيعتها كدين - تعتبر رسالة إصلاحية ، وجاءت لإصلاح الديانة اليهودية ، وتخليصها من البدع والخرافات والأساطير التي أضافها إليها اليهود ، والتي أحالتها طقوسا جامدة ، لا حياة فيها ولا روح ، فاليهود حرّفوا الكلم عن مواضعه كما سجّل عليهم القرآن الكريم هذا العبث : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [ المائدة : 13 ] . من أجل ذلك جاء السيد المسيح عليه السّلام برسالته ليصحح الديانة اليهودية ، ويعيد لها صفاءها الأول ، كما جاء بها موسى عليه السّلام وليهدي خراف بني إسرائيل الضالة . وروي عنه قوله : « ما جئت لأنقض الناموس ، بل لأصححه » . أما طبيعة الإسلام كدين فلم تكن كذلك ؛ فلم يأت الإسلام لإجراء تصحيح جزئي في ديانة سابقة ، وإنما جاء الإسلام لهدم كل انحراف عقدي أو أخلاقي أو سلوكي ، سواء في شبه الجزيرة العربية ، أو في أي مكان آخر من العالم يصل إليه ، وليقيم عقيدة عالمية للبشرية كلها ؛ هي عقيدة التوحيد الخالص للّه وحده سبحانه وتعالى ، وعبادته دون سواه ، ومعها شريعة خاتمة لكل الشرائع ، وشاملة لكل شؤون الدنيا والآخرة .

--> ( 1 ) د . محمد البهي - الدين والدولة ، من توجيه القرآن الكريم ( ص 490 ) . ( 2 ) حسن خالد - الشهيد في الإسلام ( ص 33 ) .